22 سبتمبر, 2009

شرح حديث سهل بن حنيف في الاستغسال للمعيون بقلم الأخ علي الفضلي بتصرف يسير

شرح حديث سهل بن حنيف في الاستغسال للمعيون بقلم الأخ علي الفضلي بتصرف يسير


الحمد لله رب العالمين ،
والصلاة والسلام على أفضل المرسلين
أما بعد
:
إن من نعم الله العظيمة علينا أن جعلنا مسلمين موحدين ،
ومن النعم العظيمة أن صيّر الله تعالى نبيه محمدا -صلى الله عليه وسلم-
رسولا لنا ، اللهم فلك الحمد ،
ومما زادني شرفا و تيها ** و كدت بأخمصي أطأ الثريادخولي تحت قولك ياعبادي**و أن صيرت أحمد لي نبياو
من منن الله تعالى العظيمة - والتي لا تعد ولا تحصى –
أن امتن الله تعالى علينا بأعظم شريعة أنزلها الله تعالى ، وأكملها ، وأتمها ،
شريعة محمد – صلى الله عليه وسلم –
التي علمنا فيها رسولنا – صلى الله عليه وسلم – كل شيء حتى آداب الخراءة

من الأمور والمسائل الهامة التي عالجتها الشريعة العين والحسد وما يتعلق به
،
فبينت خطر هذا الأمر ، فحذرت منه ...(1) ،
وبينت سبل الوقاية من هذا المرض قبل وقوعه ،
و سبل العلاج منه بعد وقوعه .و
من وسائل دفع الحسد عن المحسود بعد وقوعه ،
اغتسال الحاسد وصب مائه على المحسود أو المعيون
،
وهذا يكون حينما يقع ضرر الحاسد بالمحسود،
وتستحكم العين في المحسود (2)
.فقد جاء في صحيح مسلم وجامع الترمذي عن ابن عباس – رضي الله عنهما –
عن النبي – صلى الله عليه وسلم –
قال
: "
العين حق ، ولو كان شيء سابق القدر ، سبقته العين ، وإذا استغسلتم فاغسلوا
"
.قال
الحافظ ابن عبد البر رحمه الله
:
" وفي قوله صلى الله عليه وسلم ........
(( لو كان شيء يسبق القدر ، لسبقته العين )) ،
دليل على أن المرء لا يصيبه إلا ما قدر له ، وأن العين لا تسبق القدر ،
ولكنها من القدر
"
اهـ. " التمهيد " ج 3 ص103
قوله صلى الله عليه وسلم
:
"...وإذا استغسلتم فاغسلوا "
.
أي طُلب منكم أن تغتسلوا للمحسود ، أو المعيون ،
و
المراد غسل بعض أطراف البدن ،
كما سنبينه في شرح حديث سهل بن حنيف بعد سطور
.قال في " تحفة الأحوذي "
:"
وَإِذَا اسْتُغْسِلْتُمْ "
:
بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ إِذَا طُلِبْتُمْ لِلِاغْتِسَالِ "
و
هذا الغسل اختلف العلماء في حكمه
اهـ
،
كما ذكر ذلك النووي في شرحه على صحيح مسلم عن المازري
،
ورجح الوجوب ،
وقال
:
خاصة إذا شارف المعيون على الهلاك من عين الحاسد
.قال النووي – رحمه الله تعالى – ناقلا عن المازري
:"
قَالَ : وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْعَائِن هَلْ يُجْبَر عَلَى الْوُضُوء لِلْمَعِينِ أَمْ لَا
؟
وَاحْتَجَّ مَنْ أَوْجَبَهُ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رِوَايَة مُسْلِم هَذِهِ
" وَإِذَا اُسْتُغْسِلْتُمْ فَاغْسِلُوا "
و
َبِرِوَايَةِ الْمُوَطَّأ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
أَمَرَهُ بِالْوُضُوءِ ،
وَالْأَمْر لِلْوُجُوبِ .
قَالَ الْمَازِرِيّ
:
وَالصَّحِيح عِنْدِي الْوُجُوب ،
وَيَبْعُد الْخِلَاف فِيهِ إِذَا خَشِيَ عَلَى الْمَعِين الْهَلَاك ،
وَكَانَ وُضُوء الْعَائِن مِمَّا جَرَتْ الْعَادَة بِالْبُرْءِ بِهِ ، أَوْ كَانَ الشَّرْع أَخْبَرَ بِهِ خَبَرًا عَامًّا ، وَلَمْ يَكُنْ زَوَال الْهَلَاك إِلَّا بِوُضُوءِ الْعَائِن
فَإِنَّهُ يَصِير مِنْ بَاب مَنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ إِحْيَاء نَفْس مُشْرِفَة عَلَى الْهَلَاك ،
وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّهُ يُجْبَر عَلَى بَذْل الطَّعَام لِلْمُضْطَرِّ ، فَهَذَا أَوْلَى ،
وَبِهَذَا التَّقْرِير يَرْتَفِع الْخِلَاف فِيهِ . هَذَا آخِر كَلَام الْمَازِرِيّ "
اهـ

ممن رجح الوجوب أيضا بل قال
:
"يجبر عندي على ذلك" ، ابن عبد البر في التمهيد
.وظاهر حديث ابن عباس – رضي الله عنهما – وحديث سهل بن حُنَيف –
كما سيأتي هو الوجوب
،
فالأمر يقتضي ذلك إلا بقرينة صارفة ، ولا قرينة ، كما هو مقرر في علم أصول الفقه .و
كيفية هذا الغسل جاءت في حديث سهل بن حنيف
كما عند مالك وأحمد والنسائي واللفظ لأحمد
:"
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- خَرَجَ وَسَارُوا مَعَهُ نَحْوَ مَكَّةَ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِشِعْبِ الْخَرّارِ مِنْ الْجُحْفَةِ ، اغْتَسَلَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ ، وَكَانَ رَجُلًا أَبْيَضَ حَسَنَ الْجِسْمِ وَالْجِلْدِ ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ أَخُو بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ وَهُوَ يَغْتَسِلُ ،فَقَالَ مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ وَلَا جِلْدَ مُخَبَّأَةٍ
"
وفي الموطأ و رواية للنسائي في الكبرى
"ولا جلد عذراء!"
،
فَلُبِطَ سَهْلٌ فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ،
فَقِيلَ لَهُ
:
يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ لَكَ فِي سَهْلٍ ، وَاللَّهِ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ ، وَمَا يُفِيقُ
!.قَالَ
:
" هَلْ تَتَّهِمُونَ فِيهِ مِنْ أَحَدٍ ؟!"
قَالُوا
:
نَظَرَ إِلَيْهِ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَامِرًا ،
فَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ ، وَقَالَ
:" عَلَامَ يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ ؟! ،
هَلَّا إِذَا رَأَيْتَ مَا يُعْجِبُكَ بَرَّكْتَ ،
ثُمَّ قَالَ لَهُ
:
(( اغْتَسِلْ لَهُ ))
وفي رواية النسائي في الكبرى "
توضأ"
.فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَمِرْفَقَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَأَطْرَافَ رِجْلَيْهِ وَدَاخِلَةَ إِزَارِهِ فِي قَدَحٍ
،
ثُمَّ صُبَّ ذَلِكَ الْمَاءُ عَلَيْهِ ، يَصُبُّهُ رَجُلٌ عَلَى رَأْسِهِ وَظَهْرِهِ مِنْ خَلْفِهِ
،
يُكْفِئُ الْقَدَحَ وَرَاءَهُ ، فَفَعَلَ بِهِ ذَلِكَ ،
فَرَاحَ سَهْلٌ مَعَ النَّاسِ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ
"
.
الخرّار
:
قال في " المنتقى شرح الموطأ"
:
(قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ هُوَ مَاءٌ بِالْمَدِينَةِ،
وَقِيلَ مَوْضِعٌ بِالْمَدِينَةِ،
وَقِيلَ وَادٍ مِنْ أَوْدِيَتِهَا
"
و
قال السندي
:
"
بفتح الخاء وتشديد الراء الأولى ، موضع قرب الجحفة "
مخبأة
:
بينتها الرواية الأخرى : العذراء المتسترة التي لا تخرج
،قال في التمهيد
:
(مهموز من خبأت الشيء إذا سترته ،
وهي المخدرة المكنونة التي لا تراها العيون،ولا تبرز للشمس فتغيرها ؛
يقول إن جلد سهل كجلد الجارية المخدرة ، إعجابا بحسنه.
قال عبد الله بن قيس الرقيات
:
ذكرتني المخبآت لدى الحجر ** ينازعنني سجوف الحجال
و
قال إبراهيم بن هرمة
:يا لك من خلة مباعدة ** تكتم أسرارها وتخبؤها )اهـ.
و
قال في المنتقى
:
"

قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ : مَعْنَاهُ الْمُغَيَّبَةُ الْمُخَدَّرَةُ الَّتِي لَا تَظْهَرُ
"
اهـ.قال المازري
:وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يُمْكِن تَعْلِيله وَمَعْرِفَة وَجْهه ،
وَلَيْسَ فِي قُوَّة الْعَقْل الِاطِّلَاع عَلَى أَسْرَار جَمِيع الْمَعْلُومَات ،
فَلَا يُدْفَع هَذَا بِأَلَّا يُعْقَل مَعْنَاهُ
اهـ
من شرح مسلم للنووي

" داخلة الإزار "
:قال ابن القيم – رحمه الله تعالى –
:
" وَدَاخِلَةِ إزَارِهِ وَفِيهِ قَوْلَانِ
:أَحَدُهُمَا : أَنّهُ فَرْجُهُ .وَالثّانِي : أَنّهُ طَرَفُ إزَارِهِ الدّاخِلِ الّذِي يَلِي جَسَدَهُ مِنْ الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ
"
اهـ.
" زاد المعاد " ج 4 ص 171 و
لا شك أن هذا من العلاج النبوي ، الذي ليس للطب العضوي فيه مدخل
،
ولا ينتفع به من استهزأ به ، أو أنكره ،
يقول العلامة ابن القيم
في
" زاد المعاد "في الموضع السابق
:" وَهَذَا مِمّا لَا يَنَالُهُ عِلَاجُ الْأَطِبّاءِ ، وَلَا يَنْتَفِعُ بِهِ مَنْ أَنْكَرَهُ ، أَوْ سَخِرَ مِنْهُ ،
أَوْ شَكّ فِيهِ ، أَوْ فَعَلَهُ مُجَرّبًا لَا يَعْتَقِدُ أَنّ ذَلِكَ يَنْفَعُهُ
"
اهـ.و
قد ضرب العلامة ابن القيم له مثلا بترياق سم الحية ،
الذي يؤخذ من لحمها ، لعلاج سمها في اللديغ ،
فقال
- في الموضع آنف الذكر
- – :

" فِي الْمُعَالَجَةِ بِهَذَا الْاِسْتِغْسَالِ مَا تَشْهَدُ لَهُ الْعُقُولُ الصّحِيحَةُ،وَتُقِرّ لِمُنَاسَبَتِهِ،
فَاعْلَمْ أَنّ تِرْيَاقَ سُمّ الْحَيّةِ فِي لَحْمِهَا
"
اهـ.
قال ابن عبد البر
:
والتبريك أن يقول
:
تبارك الله أحسن الخالقين ، اللهم بارك فيه
اهـ.
التمهيد " ج3 ص 103
:و الحمد لله رب العالمين.

(1) في الأصل عبارة وتوعدت عليه
(2) كذا قال الكاتب واشتراط الاستحكام لا دليل عليه

0 التعليقات: