شرح حديث سهل بن حنيف في الاستغسال للمعيون بقلم الأخ علي الفضلي بتصرف يسير
الحمد لله رب العالمين ،
والصلاة والسلام على أفضل المرسلين
أما بعد
:
إن من نعم الله العظيمة علينا أن جعلنا مسلمين موحدين ،
ومن النعم العظيمة أن صيّر الله تعالى نبيه محمدا -صلى الله عليه وسلم-
رسولا لنا ، اللهم فلك الحمد ،
ومما زادني شرفا و تيها ** و كدت بأخمصي أطأ الثريادخولي تحت قولك ياعبادي**و أن صيرت أحمد لي نبياو
من منن الله تعالى العظيمة - والتي لا تعد ولا تحصى –
أن امتن الله تعالى علينا بأعظم شريعة أنزلها الله تعالى ، وأكملها ، وأتمها ،
شريعة محمد – صلى الله عليه وسلم –
التي علمنا فيها رسولنا – صلى الله عليه وسلم – كل شيء حتى آداب الخراءة
.و
من الأمور والمسائل الهامة التي عالجتها الشريعة العين والحسد وما يتعلق به
،
فبينت خطر هذا الأمر ، فحذرت منه ...(1) ،
وبينت سبل الوقاية من هذا المرض قبل وقوعه ،
و سبل العلاج منه بعد وقوعه .و
من وسائل دفع الحسد عن المحسود بعد وقوعه ،
اغتسال الحاسد وصب مائه على المحسود أو المعيون
،
وهذا يكون حينما يقع ضرر الحاسد بالمحسود،
وتستحكم العين في المحسود (2)
.فقد جاء في صحيح مسلم وجامع الترمذي عن ابن عباس – رضي الله عنهما –
عن النبي – صلى الله عليه وسلم –
قال
: "
العين حق ، ولو كان شيء سابق القدر ، سبقته العين ، وإذا استغسلتم فاغسلوا
"
.قال
الحافظ ابن عبد البر رحمه الله
:
" وفي قوله صلى الله عليه وسلم ........
(( لو كان شيء يسبق القدر ، لسبقته العين )) ،
دليل على أن المرء لا يصيبه إلا ما قدر له ، وأن العين لا تسبق القدر ،
ولكنها من القدر
"
اهـ. " التمهيد " ج 3 ص103
قوله صلى الله عليه وسلم
:
"...وإذا استغسلتم فاغسلوا "
.
أي طُلب منكم أن تغتسلوا للمحسود ، أو المعيون ،
و
المراد غسل بعض أطراف البدن ،
كما سنبينه في شرح حديث سهل بن حنيف بعد سطور
.قال في " تحفة الأحوذي "
:"
وَإِذَا اسْتُغْسِلْتُمْ "
:
بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ إِذَا طُلِبْتُمْ لِلِاغْتِسَالِ "
و
هذا الغسل اختلف العلماء في حكمه
اهـ
،
كما ذكر ذلك النووي في شرحه على صحيح مسلم عن المازري
،
ورجح الوجوب ،
وقال
:
خاصة إذا شارف المعيون على الهلاك من عين الحاسد
.قال النووي – رحمه الله تعالى – ناقلا عن المازري
:"
قَالَ : وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْعَائِن هَلْ يُجْبَر عَلَى الْوُضُوء لِلْمَعِينِ أَمْ لَا
؟
وَاحْتَجَّ مَنْ أَوْجَبَهُ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رِوَايَة مُسْلِم هَذِهِ
" وَإِذَا اُسْتُغْسِلْتُمْ فَاغْسِلُوا "
و
َبِرِوَايَةِ الْمُوَطَّأ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
أَمَرَهُ بِالْوُضُوءِ ،
وَالْأَمْر لِلْوُجُوبِ .
قَالَ الْمَازِرِيّ
:
وَالصَّحِيح عِنْدِي الْوُجُوب ،
وَيَبْعُد الْخِلَاف فِيهِ إِذَا خَشِيَ عَلَى الْمَعِين الْهَلَاك ،
وَكَانَ وُضُوء الْعَائِن مِمَّا جَرَتْ الْعَادَة بِالْبُرْءِ بِهِ ، أَوْ كَانَ الشَّرْع أَخْبَرَ بِهِ خَبَرًا عَامًّا ، وَلَمْ يَكُنْ زَوَال الْهَلَاك إِلَّا بِوُضُوءِ الْعَائِن
فَإِنَّهُ يَصِير مِنْ بَاب مَنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ إِحْيَاء نَفْس مُشْرِفَة عَلَى الْهَلَاك ،
وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّهُ يُجْبَر عَلَى بَذْل الطَّعَام لِلْمُضْطَرِّ ، فَهَذَا أَوْلَى ،
وَبِهَذَا التَّقْرِير يَرْتَفِع الْخِلَاف فِيهِ . هَذَا آخِر كَلَام الْمَازِرِيّ "
اهـ
.و
ممن رجح الوجوب أيضا بل قال
:
"يجبر عندي على ذلك" ، ابن عبد البر في التمهيد
.وظاهر حديث ابن عباس – رضي الله عنهما – وحديث سهل بن حُنَيف –
كما سيأتي هو الوجوب
،
فالأمر يقتضي ذلك إلا بقرينة صارفة ، ولا قرينة ، كما هو مقرر في علم أصول الفقه .و
كيفية هذا الغسل جاءت في حديث سهل بن حنيف
كما عند مالك وأحمد والنسائي واللفظ لأحمد
:"
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- خَرَجَ وَسَارُوا مَعَهُ نَحْوَ مَكَّةَ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِشِعْبِ الْخَرّارِ مِنْ الْجُحْفَةِ ، اغْتَسَلَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ ، وَكَانَ رَجُلًا أَبْيَضَ حَسَنَ الْجِسْمِ وَالْجِلْدِ ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ أَخُو بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ وَهُوَ يَغْتَسِلُ ،فَقَالَ مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ وَلَا جِلْدَ مُخَبَّأَةٍ
"
وفي الموطأ و رواية للنسائي في الكبرى
"ولا جلد عذراء!"
،
فَلُبِطَ سَهْلٌ فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ،
فَقِيلَ لَهُ
:
يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ لَكَ فِي سَهْلٍ ، وَاللَّهِ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ ، وَمَا يُفِيقُ
!.قَالَ
:
" هَلْ تَتَّهِمُونَ فِيهِ مِنْ أَحَدٍ ؟!"
قَالُوا
:
نَظَرَ إِلَيْهِ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَامِرًا ،
فَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ ، وَقَالَ
:" عَلَامَ يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ ؟! ،
هَلَّا إِذَا رَأَيْتَ مَا يُعْجِبُكَ بَرَّكْتَ ،
ثُمَّ قَالَ لَهُ
:
(( اغْتَسِلْ لَهُ ))
وفي رواية النسائي في الكبرى "
توضأ"
.فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَمِرْفَقَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَأَطْرَافَ رِجْلَيْهِ وَدَاخِلَةَ إِزَارِهِ فِي قَدَحٍ
،
ثُمَّ صُبَّ ذَلِكَ الْمَاءُ عَلَيْهِ ، يَصُبُّهُ رَجُلٌ عَلَى رَأْسِهِ وَظَهْرِهِ مِنْ خَلْفِهِ
،
يُكْفِئُ الْقَدَحَ وَرَاءَهُ ، فَفَعَلَ بِهِ ذَلِكَ ،
فَرَاحَ سَهْلٌ مَعَ النَّاسِ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ
"
.
الخرّار
:
قال في " المنتقى شرح الموطأ"
:
(قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ هُوَ مَاءٌ بِالْمَدِينَةِ،
وَقِيلَ مَوْضِعٌ بِالْمَدِينَةِ،
وَقِيلَ وَادٍ مِنْ أَوْدِيَتِهَا
"
و
قال السندي
:
"
بفتح الخاء وتشديد الراء الأولى ، موضع قرب الجحفة "
مخبأة
:
بينتها الرواية الأخرى : العذراء المتسترة التي لا تخرج
،قال في التمهيد
:
(مهموز من خبأت الشيء إذا سترته ،
وهي المخدرة المكنونة التي لا تراها العيون،ولا تبرز للشمس فتغيرها ؛
يقول إن جلد سهل كجلد الجارية المخدرة ، إعجابا بحسنه.
قال عبد الله بن قيس الرقيات
:
ذكرتني المخبآت لدى الحجر ** ينازعنني سجوف الحجال
و
قال إبراهيم بن هرمة
:يا لك من خلة مباعدة ** تكتم أسرارها وتخبؤها )اهـ.
و
قال في المنتقى
:
"
قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ : مَعْنَاهُ الْمُغَيَّبَةُ الْمُخَدَّرَةُ الَّتِي لَا تَظْهَرُ
"
اهـ.قال المازري
:وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يُمْكِن تَعْلِيله وَمَعْرِفَة وَجْهه ،
وَلَيْسَ فِي قُوَّة الْعَقْل الِاطِّلَاع عَلَى أَسْرَار جَمِيع الْمَعْلُومَات ،
فَلَا يُدْفَع هَذَا بِأَلَّا يُعْقَل مَعْنَاهُ
اهـ
من شرح مسلم للنووي
.و
" داخلة الإزار "
:قال ابن القيم – رحمه الله تعالى –
:
" وَدَاخِلَةِ إزَارِهِ وَفِيهِ قَوْلَانِ
:أَحَدُهُمَا : أَنّهُ فَرْجُهُ .وَالثّانِي : أَنّهُ طَرَفُ إزَارِهِ الدّاخِلِ الّذِي يَلِي جَسَدَهُ مِنْ الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ
"
اهـ.
" زاد المعاد " ج 4 ص 171 و
لا شك أن هذا من العلاج النبوي ، الذي ليس للطب العضوي فيه مدخل
،
ولا ينتفع به من استهزأ به ، أو أنكره ،
يقول العلامة ابن القيم
في
" زاد المعاد "في الموضع السابق
:" وَهَذَا مِمّا لَا يَنَالُهُ عِلَاجُ الْأَطِبّاءِ ، وَلَا يَنْتَفِعُ بِهِ مَنْ أَنْكَرَهُ ، أَوْ سَخِرَ مِنْهُ ،
أَوْ شَكّ فِيهِ ، أَوْ فَعَلَهُ مُجَرّبًا لَا يَعْتَقِدُ أَنّ ذَلِكَ يَنْفَعُهُ
"
اهـ.و
قد ضرب العلامة ابن القيم له مثلا بترياق سم الحية ،
الذي يؤخذ من لحمها ، لعلاج سمها في اللديغ ،
فقال
- في الموضع آنف الذكر
- – :
" فِي الْمُعَالَجَةِ بِهَذَا الْاِسْتِغْسَالِ مَا تَشْهَدُ لَهُ الْعُقُولُ الصّحِيحَةُ،وَتُقِرّ لِمُنَاسَبَتِهِ،
فَاعْلَمْ أَنّ تِرْيَاقَ سُمّ الْحَيّةِ فِي لَحْمِهَا
"
اهـ.
قال ابن عبد البر
:
والتبريك أن يقول
:
تبارك الله أحسن الخالقين ، اللهم بارك فيه
اهـ.
التمهيد " ج3 ص 103
:و الحمد لله رب العالمين.
(1) في الأصل عبارة وتوعدت عليه
(2) كذا قال الكاتب واشتراط الاستحكام لا دليل عليه
الحمد لله رب العالمين ،
والصلاة والسلام على أفضل المرسلين
أما بعد
:
إن من نعم الله العظيمة علينا أن جعلنا مسلمين موحدين ،
ومن النعم العظيمة أن صيّر الله تعالى نبيه محمدا -صلى الله عليه وسلم-
رسولا لنا ، اللهم فلك الحمد ،
ومما زادني شرفا و تيها ** و كدت بأخمصي أطأ الثريادخولي تحت قولك ياعبادي**و أن صيرت أحمد لي نبياو
من منن الله تعالى العظيمة - والتي لا تعد ولا تحصى –
أن امتن الله تعالى علينا بأعظم شريعة أنزلها الله تعالى ، وأكملها ، وأتمها ،
شريعة محمد – صلى الله عليه وسلم –
التي علمنا فيها رسولنا – صلى الله عليه وسلم – كل شيء حتى آداب الخراءة
.و
من الأمور والمسائل الهامة التي عالجتها الشريعة العين والحسد وما يتعلق به
،
فبينت خطر هذا الأمر ، فحذرت منه ...(1) ،
وبينت سبل الوقاية من هذا المرض قبل وقوعه ،
و سبل العلاج منه بعد وقوعه .و
من وسائل دفع الحسد عن المحسود بعد وقوعه ،
اغتسال الحاسد وصب مائه على المحسود أو المعيون
،
وهذا يكون حينما يقع ضرر الحاسد بالمحسود،
وتستحكم العين في المحسود (2)
.فقد جاء في صحيح مسلم وجامع الترمذي عن ابن عباس – رضي الله عنهما –
عن النبي – صلى الله عليه وسلم –
قال
: "
العين حق ، ولو كان شيء سابق القدر ، سبقته العين ، وإذا استغسلتم فاغسلوا
"
.قال
الحافظ ابن عبد البر رحمه الله
:
" وفي قوله صلى الله عليه وسلم ........
(( لو كان شيء يسبق القدر ، لسبقته العين )) ،
دليل على أن المرء لا يصيبه إلا ما قدر له ، وأن العين لا تسبق القدر ،
ولكنها من القدر
"
اهـ. " التمهيد " ج 3 ص103
قوله صلى الله عليه وسلم
:
"...وإذا استغسلتم فاغسلوا "
.
أي طُلب منكم أن تغتسلوا للمحسود ، أو المعيون ،
و
المراد غسل بعض أطراف البدن ،
كما سنبينه في شرح حديث سهل بن حنيف بعد سطور
.قال في " تحفة الأحوذي "
:"
وَإِذَا اسْتُغْسِلْتُمْ "
:
بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ إِذَا طُلِبْتُمْ لِلِاغْتِسَالِ "
و
هذا الغسل اختلف العلماء في حكمه
اهـ
،
كما ذكر ذلك النووي في شرحه على صحيح مسلم عن المازري
،
ورجح الوجوب ،
وقال
:
خاصة إذا شارف المعيون على الهلاك من عين الحاسد
.قال النووي – رحمه الله تعالى – ناقلا عن المازري
:"
قَالَ : وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْعَائِن هَلْ يُجْبَر عَلَى الْوُضُوء لِلْمَعِينِ أَمْ لَا
؟
وَاحْتَجَّ مَنْ أَوْجَبَهُ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رِوَايَة مُسْلِم هَذِهِ
" وَإِذَا اُسْتُغْسِلْتُمْ فَاغْسِلُوا "
و
َبِرِوَايَةِ الْمُوَطَّأ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
أَمَرَهُ بِالْوُضُوءِ ،
وَالْأَمْر لِلْوُجُوبِ .
قَالَ الْمَازِرِيّ
:
وَالصَّحِيح عِنْدِي الْوُجُوب ،
وَيَبْعُد الْخِلَاف فِيهِ إِذَا خَشِيَ عَلَى الْمَعِين الْهَلَاك ،
وَكَانَ وُضُوء الْعَائِن مِمَّا جَرَتْ الْعَادَة بِالْبُرْءِ بِهِ ، أَوْ كَانَ الشَّرْع أَخْبَرَ بِهِ خَبَرًا عَامًّا ، وَلَمْ يَكُنْ زَوَال الْهَلَاك إِلَّا بِوُضُوءِ الْعَائِن
فَإِنَّهُ يَصِير مِنْ بَاب مَنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ إِحْيَاء نَفْس مُشْرِفَة عَلَى الْهَلَاك ،
وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّهُ يُجْبَر عَلَى بَذْل الطَّعَام لِلْمُضْطَرِّ ، فَهَذَا أَوْلَى ،
وَبِهَذَا التَّقْرِير يَرْتَفِع الْخِلَاف فِيهِ . هَذَا آخِر كَلَام الْمَازِرِيّ "
اهـ
.و
ممن رجح الوجوب أيضا بل قال
:
"يجبر عندي على ذلك" ، ابن عبد البر في التمهيد
.وظاهر حديث ابن عباس – رضي الله عنهما – وحديث سهل بن حُنَيف –
كما سيأتي هو الوجوب
،
فالأمر يقتضي ذلك إلا بقرينة صارفة ، ولا قرينة ، كما هو مقرر في علم أصول الفقه .و
كيفية هذا الغسل جاءت في حديث سهل بن حنيف
كما عند مالك وأحمد والنسائي واللفظ لأحمد
:"
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- خَرَجَ وَسَارُوا مَعَهُ نَحْوَ مَكَّةَ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِشِعْبِ الْخَرّارِ مِنْ الْجُحْفَةِ ، اغْتَسَلَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ ، وَكَانَ رَجُلًا أَبْيَضَ حَسَنَ الْجِسْمِ وَالْجِلْدِ ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ أَخُو بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ وَهُوَ يَغْتَسِلُ ،فَقَالَ مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ وَلَا جِلْدَ مُخَبَّأَةٍ
"
وفي الموطأ و رواية للنسائي في الكبرى
"ولا جلد عذراء!"
،
فَلُبِطَ سَهْلٌ فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ،
فَقِيلَ لَهُ
:
يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ لَكَ فِي سَهْلٍ ، وَاللَّهِ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ ، وَمَا يُفِيقُ
!.قَالَ
:
" هَلْ تَتَّهِمُونَ فِيهِ مِنْ أَحَدٍ ؟!"
قَالُوا
:
نَظَرَ إِلَيْهِ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَامِرًا ،
فَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ ، وَقَالَ
:" عَلَامَ يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ ؟! ،
هَلَّا إِذَا رَأَيْتَ مَا يُعْجِبُكَ بَرَّكْتَ ،
ثُمَّ قَالَ لَهُ
:
(( اغْتَسِلْ لَهُ ))
وفي رواية النسائي في الكبرى "
توضأ"
.فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَمِرْفَقَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَأَطْرَافَ رِجْلَيْهِ وَدَاخِلَةَ إِزَارِهِ فِي قَدَحٍ
،
ثُمَّ صُبَّ ذَلِكَ الْمَاءُ عَلَيْهِ ، يَصُبُّهُ رَجُلٌ عَلَى رَأْسِهِ وَظَهْرِهِ مِنْ خَلْفِهِ
،
يُكْفِئُ الْقَدَحَ وَرَاءَهُ ، فَفَعَلَ بِهِ ذَلِكَ ،
فَرَاحَ سَهْلٌ مَعَ النَّاسِ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ
"
.
الخرّار
:
قال في " المنتقى شرح الموطأ"
:
(قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ هُوَ مَاءٌ بِالْمَدِينَةِ،
وَقِيلَ مَوْضِعٌ بِالْمَدِينَةِ،
وَقِيلَ وَادٍ مِنْ أَوْدِيَتِهَا
"
و
قال السندي
:
"
بفتح الخاء وتشديد الراء الأولى ، موضع قرب الجحفة "
مخبأة
:
بينتها الرواية الأخرى : العذراء المتسترة التي لا تخرج
،قال في التمهيد
:
(مهموز من خبأت الشيء إذا سترته ،
وهي المخدرة المكنونة التي لا تراها العيون،ولا تبرز للشمس فتغيرها ؛
يقول إن جلد سهل كجلد الجارية المخدرة ، إعجابا بحسنه.
قال عبد الله بن قيس الرقيات
:
ذكرتني المخبآت لدى الحجر ** ينازعنني سجوف الحجال
و
قال إبراهيم بن هرمة
:يا لك من خلة مباعدة ** تكتم أسرارها وتخبؤها )اهـ.
و
قال في المنتقى
:
"
قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ : مَعْنَاهُ الْمُغَيَّبَةُ الْمُخَدَّرَةُ الَّتِي لَا تَظْهَرُ
"
اهـ.قال المازري
:وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يُمْكِن تَعْلِيله وَمَعْرِفَة وَجْهه ،
وَلَيْسَ فِي قُوَّة الْعَقْل الِاطِّلَاع عَلَى أَسْرَار جَمِيع الْمَعْلُومَات ،
فَلَا يُدْفَع هَذَا بِأَلَّا يُعْقَل مَعْنَاهُ
اهـ
من شرح مسلم للنووي
.و
" داخلة الإزار "
:قال ابن القيم – رحمه الله تعالى –
:
" وَدَاخِلَةِ إزَارِهِ وَفِيهِ قَوْلَانِ
:أَحَدُهُمَا : أَنّهُ فَرْجُهُ .وَالثّانِي : أَنّهُ طَرَفُ إزَارِهِ الدّاخِلِ الّذِي يَلِي جَسَدَهُ مِنْ الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ
"
اهـ.
" زاد المعاد " ج 4 ص 171 و
لا شك أن هذا من العلاج النبوي ، الذي ليس للطب العضوي فيه مدخل
،
ولا ينتفع به من استهزأ به ، أو أنكره ،
يقول العلامة ابن القيم
في
" زاد المعاد "في الموضع السابق
:" وَهَذَا مِمّا لَا يَنَالُهُ عِلَاجُ الْأَطِبّاءِ ، وَلَا يَنْتَفِعُ بِهِ مَنْ أَنْكَرَهُ ، أَوْ سَخِرَ مِنْهُ ،
أَوْ شَكّ فِيهِ ، أَوْ فَعَلَهُ مُجَرّبًا لَا يَعْتَقِدُ أَنّ ذَلِكَ يَنْفَعُهُ
"
اهـ.و
قد ضرب العلامة ابن القيم له مثلا بترياق سم الحية ،
الذي يؤخذ من لحمها ، لعلاج سمها في اللديغ ،
فقال
- في الموضع آنف الذكر
- – :
" فِي الْمُعَالَجَةِ بِهَذَا الْاِسْتِغْسَالِ مَا تَشْهَدُ لَهُ الْعُقُولُ الصّحِيحَةُ،وَتُقِرّ لِمُنَاسَبَتِهِ،
فَاعْلَمْ أَنّ تِرْيَاقَ سُمّ الْحَيّةِ فِي لَحْمِهَا
"
اهـ.
قال ابن عبد البر
:
والتبريك أن يقول
:
تبارك الله أحسن الخالقين ، اللهم بارك فيه
اهـ.
التمهيد " ج3 ص 103
:و الحمد لله رب العالمين.
(1) في الأصل عبارة وتوعدت عليه
(2) كذا قال الكاتب واشتراط الاستحكام لا دليل عليه
0 التعليقات:
إرسال تعليق